الملف العين  للكاتبه :Rofida mohmed

الملف العين للكاتبه :Rofida mohmed

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الملف العين

كانت الساعة داخلة على 2 بالليل، الشارع تحت البيت أشششش، مفيش غير صوت ضلمة وشوية كِلاب بيهوُهوا من بعيد.

"حسام" قاعد قصاد شاشة اللابتوب، عينيه حمرا من كتر التركيز، وقهوته بردت من بدري. حسام شغال "فوتوشوب ديزاينر"، وبيحب الشغل المتروّق بالليل. وهو بيقلب في أرشيف صور قديم لقى ملف غريب اسمه "لا تفتح.png".

طبعًا الفضول قاتل.. ودوسة كليك واحدة كانت كفيلة تقلب حياته.

الصورة فتحت. كانت لقطة لشارع قديم أبيض وأسود، شكله من أربعينيات القرن اللي فات.. بس الغريب مش الشارع، الغريب إن في نص الصورة كان واقف شخص ببدلة كاملة، وباصص للكاميرا بالظبط.. وشخصيته دي كانت حسام نفسه! نفس وملامحه، نفس شامة خده اليمين، حتى التاتو الصغير اللي على إيديه الشمال!

جسمه قشعر. “إيه الهبل ده؟ أكيد فبركة من زمايلي في الشغل.”

بس الفضول سحبه أكيد، وعمل "زووم" على الصورة.. وهنا كان فيه المفاجأة. الشخص اللي شبهه كان ماسك في إيده جرنان قديم، ومكتوب في المانشيت الرئيسي بخط عريض: "مقتل الشاب حسام بعد فتح الملف بـ 3 ساعات".

حسام ضحك بصوت عالي عشان يطرد الخوف: "لا دي تمثيلية بايخة بقى!".. وفي لحظتها، النور قطع في الشقة كلها.

البيت بقى كُحل. صوت أنفاسه هو بس اللي مالي المكان. وفجأة.. "تك.. تك.. تك". صوت خطوات جزمة بتمشي في الصالة بره أوضته، خطوات تقيلة ومتأنية، كأن صاحبها بيمشي بالراحة عشان يتمتع بالخوف.

إيده كانت بترتعش وهو بيمسك فلاش الموبايل ويفتحه. نور الفلاش مشي على الحيطة.. وقبل ما يوصل للباب، سمع صوت همس قريب جدًا من ودنه اليمين، صوت دافي ومرعب، ونفس الصوت بتاعه بالظبط:

“تفتكر الأيام زمان كانت أحسن يا حسام؟”

سكت حسام، قلبه كان حايقف من الرعب، ولما لف بالموبايل ناحية الصوت.. الموبايل وقع من إيده، والشاشة اتقفلت.الموبايل لما وقع على الأرض، نوره طفى.. والصالة رجعت كُحل تاني.

حسام اتجمّد مكانة، كأن دمه اتجمد في عروقه. الصوت كان قريب لدرجة إنه حاسس بنَفَس الشخص ده بيلسع قفاه. أخد نفس بالعافية، وبإيد بترتعش وطوطى على الأرض يدوّر على الموبايل، صوابعه لمست الشاشة.. فتح الفلاش بسرعة ووجهه لفوق.

مفيش حد!

الأوضة كانت فاضية تمامًا، والباب المقفول زي ما هو. بس الغريب إن شاشة اللابتوب طفت، وظهر عليها "انعكاس" لواحد واقف ورا حسام مباشرةً.. نفس البدلة القديمة، ونفس الملامح، بس ابتسامته كانت واسعة زيادة عن اللزوم.. ابتسامة مش بشرية.

حسام صرخ بصوت مكتوم، ولَفّ بسرعة وهو بيزق الكرسي وراه. الكرسي اتخبط في المكتب ووقع، بس المكان برضه كان فاضي!

فجأة، شاشة الموبايل في إيده بدأت ترتعش، وجاتله رسالة "واتساب" من رقم غير معروف. فتح الرسالة بذهول، لقاه فيديو مدته 5 ثواني.

شغّل الفيديو.. كان مصوّر حسام نفسه دلوقتي حالا وهو ماسك الموبايل وبيلف في الأوضة والخوف واكله! الكاميرا كانت بتصور من الزاوية العالية للأسقف.. كأن فيه حد متعلق فوقيه وبيصوره من السقف!

رفع حسام رأسه ونور الفلاش لفوق بسرعة.. وشفها.

كانت فيه هيئة أسود من الضلمة نفسها، ملزوقة في السقف زي العنكبيات، وباصة له بنفس الابتسامة المريبة. وقبل ما يلحق يتحرك أو يصرخ، الهيئة دي نزلت على الأرض بمنتهى الهدوء وبدأت تقرب منه خطوة خطوة، وهي بتقول بصوت هادي جداً:

“أنا مش جاي أقتلك يا حسام.. أنا جاي آخد مكاني اللي أنت سرقته مني من 80 سنة.”

وفي اللحظة دي، النور رجع جه فجأة في الشقة كلها.. واللابتوب اشتغل لوحده على صورة المانشيت القديم، بس التاريخ المكتوب تحت الصورة اتغير وبقى تاريخ النهاردة.. وباقي على الـ 3 ساعات 10 دقايق بس!في الدور الخمسين بشركة "العقاد للأبراج"، كان كل شيء يسير بدقة الساعة السويسرية. "مراد العقاد"، الشاب الثلاثيني المتسلط، لا يعرف في حياته سوى العمل، المواعيد المضبوطة بالثانية، والتكشيرة التي تجعل الموظفين يفرون من أمامه في الممرات.

في صباح يوم أخدود، وصلت "كارما" لاستلام عملها كمساعدة شخصية جديدة. كارما فتاة دلوعة، مليئة بالحيوية والبهجة، ترتدي ملابس مبهجة وتحمل في يدها كوب قهوة مزيناً برغوة ملونة وحقيبة صغيرة مطرزة بفيونكة ورقية.

دخلت مكتب مراد الصارم وبدلاً من أن تؤدي التحية الرسمية، قالت بابتسامة عريضة: “صباح الفل يا بيك! أصل القهوة هنا محتاجة شوية حب، فعملتلك معايا واحدة بالفانيليا!”

نظر مراد إليها من فوق نظارته البرونزية، ورمق الكوب بنظرة ذهول: “أنتِ مين؟ ومين سمحلك تدخلي بالطريقة دي؟”image about الملف العين  للكاتبه :Rofida mohmed

ردت كارما بعفوية وهي تجلس على الكرسي المقابل دون إذن: “أنا كارما! المساعدة الجديدة اللي هترجع الروح للمكان المظلم ده!”

بدأت رحلة المعاناة الكوميدية؛ مراد يضع قوانين صارمة، وكارما تتجاوزها ببساطة ودلع يربك حسابه. عندما يطلب منها إعداد تقرير مالي، تقدمه له في ملف وردي معطر، ومكتوب في آخره: “ملحوظة: الأرقام دي تحفة، شكراً لجهودي!”

في أحد الأيام، كان لدى الشركة اجتماع مصيري مع وفد استثماري كبير. اشترط مراد الجدية التامة. وأثناء العرض التقديمي، انطفأت الأنوار فجأة بسبب عطل فني. ساد التوتر القاعة، لكن كارما أخرجت من حقيبتها مكبر صوت صغير مشع بالألوان وشغلت موسيقا مبهجة، وقالت للوفد بضحكة: “فقرة الترفيه بين الفقرات، لحد ما النور يرجع!”

بدلاً من الغضب، ضحك الحاضرون واتسع نطاق النقاش بشكل ودي، مما أدى لإتمام الصفقة بنجاح. خرج مراد من القاعة ينظر إليها بمزيج من الغيظ والإعجاب الدفين: “أنتِ مجنونة رسمياً يا كارما!”

قالت هي وهي تؤدي تحية عسكرية طفولية: “بس جناني نجح الصفقة يا رئيس يا متسلط!”

مع مرور الأيام، بدأ الجدار الصلب الذي بناه مراد حول قلبه يتهاوى. أصبحت المواعيد الصارمة بالنسبة له مجرد حجة لرؤية ابتسامتها، والصمت الذي كان يفرضه على مكتبه تحول إلى انتظار لصوت ضحكاتها الحنونة التي ملأت المكان دفئاً وأملاً.حسام اتسمّر مكانه لما شاف الرقم بيعدّ تنازلي على الشاشة: 09:59.. 09:58..

الكيان اللي واقف قصاده بالبدلة القديمة مدّ إيده ببطء، صوابعه كانت طويلة بشكل مش طبيعي، وقال بصوت هادي كأنه بيهمس جوه دماغ حسام مباشرةً: “من 80 سنة، في نفس الشقة دي، أنا فتحت الكتاب الممنوع.. وجسمي اتقسم نصين: نص محبوس جوه الصور والأرشيف، ونص عايش بياخد طاقة الساكنين. أنت مش أول واحد يقع في الفخ.. بس أنت هتكون الأخير.”

حسام حس برعب شلّ حركته، بس الشغف والذكاء اللي عنده كديزاير بيتعامل مع الصور والطبقات (Layers) خلوه يلقط حاجة غريبة.. Shadow الكيان على الحيطة مش ماشية مع حركته! الشبح مش جسد كامل، ده مجرد "تأثير ضوئي" معتمد على الطاقة اللي جوه ملف الصورة المفتوح على اللابتوب!

بسرعة البرق، وقبل ما الكيان يقرب منه أكتر، حسام زق الكرسي في اتجاهه ورمى نفسه على المكتب. صوابعه كانت بترتعش وهي بتتحرك على التراك باد.. الكيان صرخ صوت يرعب الحصى وهو بيجري عليه: “مش هتلحق!”

حسام فتح برامج التعديل، وداس Ctrl + A عشان يحدد كل عناصر الملف.. وبعدها ودون أي تردد داس Shift + Delete!

في نفس اللحظة، الشاشة طلعت نور أبيض يعمي العين، والصوت الشبيه بالصفير ملأ الأوضة. الشبح بدأ يتقطع أجزاء ويتشفط جوه الشاشة زي الدخان، وهو بيصرخ بصوت بيختفي بالتدريج: “الصور مش بتموت.. الصور بتستنى اللي يفتحها!”

وفجأة.. الشاشة انطفت تمامًا، والهدوء رجع للشقة.

حسام قاعد على الأرض، نَفَسه طالع نازل، وجسمه غرقان عرق. بَصّ على الساعة لقيها 2:30 بالليل. النور كان شغال والأوضة مترتبة، مفيش أي أثر للكرسي المقلوب أو الكيان.

أخد نفس طويل وقال لنفسه: “الحمد لله.. كابوس وعدّى.”

قام ببطء، وقفل اللابتوب خالص عشان ينام. بس وهو بيمشي ناحية السرير، موبايله رن بنغمة إشعار جديدة.. فتح الموبايل، لقاه إيميل وصله من أرشيف صور تاني خالص، ومكتوب فيه جملة واحدة:

“تم حفظ النسخة الاحتياطية بنجاح.. في مجلد الهواتف الذكية.”

وفي نفس اللحظة، فلاش الموبايل ضرب لوحده في وشه.. وصور لقطة!فلاش الموبايل عما عينين حسام لحظة.. ولما فتح عينه، الدنيا حوليها اتغيرت تمامًا.

الأوضة اختفت، والسرير مابقاش موجود. حسام كان واقف في مكان غريب، أرضيته زجاجية بتلمع، وحواليه في الهوا ملايين الشاشات الطايرة بتعرض صور وفيديوهات من حياته: صورته وهو صغير، صور شغاله في ديزاينات قديمة، وحتى الفيديو اللي اتصور له من سقف الأوضة من شوية!

كان جوه "السيرفر".. محبوس جوه الموبايل!

وفجأة، الصوت المرعب رن في المكان كله، بس المرة دي كان جايل من كل الزوايا: “أهلاً بيك في مساحتي الخاصة يا حسام. هنا مفيش زرار Delete، وهنا أنت مجرد داتا.. وأنا الأدمن!”

من بين الشاشات الطايرة، خرج نفس الكيان ذو البدلة القديمة، بس المرة دي شكله كان أضخم، ووجهه بيتغير بسرعة بين ملامح حسام وملامح ناس تانية كتير.. كأنه امتص كل شخص فتح الملف ده على مر السنين!

حسام مسك نفسه واستجمع شجاعته: “لو أنا داتا.. يبقى أنا أقدر أتحكم في الأكواد هنا زي ما بتتحكم فيها!”

بدل ما يهرب، حسام غمّض عينيه وتركّز. هو ديزاينر وفاهم إن كل صورة في العالم الرقمي ليها "كود ألوان" و"بيانات مخفية" (Exif Data). رفع إيده في الهوا وبدأ يحرك الشاشات بسرعة زي ما بيحرك "الطبقات" على الفبركة، ودور على الصورة الأصلية اللي دخلت الكيان ده من سنة 1940.

الكيان جرى عليه بغضب وصوّر نداء رعب: “مستحيل تلاقيها!”

بس حسام لمح الشاشة القديمة بالأبيض والأسود.. مسكها بإيديه الاتنين، وداس على بيانات التاريخ والساعة، وغير تاريخ التقاط الصورة لـ "مستقبل مش موجود".

المكان كله بدأ يترج! الشاشات الطايرة بدأت تكسر وتتفتت لقطع ضوئية صغيرة، والكيان بدأ يصرخ وهو بيتدمر من الداخل لأن البيانات بتاعته اتلخبطت وما بقاش ليها وجود زمني!

“حسام! حسام اصحي!”

حسام فتح عينيه بسرعة وهو بياخد نفس عميق، كأنه كان غرقان وبيطلع للمية. لقاه قاعد على الكرسي قصاد المكتب، والنور الشمسي داخل من الشباك. اللابتوب كان مقفول، والموبايل جنبه يرن بصوت منبه الساعة 8 الصبح.

قام وقف بسرعة، مسك الموبايل.. كان شغال طبيعي ومفيش أي رسائل غريبة. بَصّ في المراية، ملامحه رجعت طبيعية وشامة خده اليمين زي ما هياتنفس الصعداء وابتسم: “كان كابوس.. كابوس مرعب بس الحمد لله عدى.”

مسك الموبايل عشان يمسح كل الملفات القديمة ويقفل الموضوع ده خالص.. بس وهو بيفتح الاستوديو عشان يمسح الصور، لقى صورة جديدة نزلت في أول المعرض، متصورة من ثواني معدودة..

كانت صورة لـ حسام وهو باصص للمراية دلوقتي حالا.. ووراه في الضلمة اللي خلفه، إيد طويلة ببدلة قديمة محطوطة على كتفه!مسك حسام الموبايل بإيد بتترعش، وثواني وكان الخوف أتحول لغضب حقيقي. “خلاص.. أنا تعبت من اللعبة دي ومفيش هروب تاني!”

بدل ما يصرخ أو يجري، حسام عمل حاجة محدش يتوقعها.. مسك الموبايل وفتح أبلكيشن "الكاميرا"، وشغّل الفلاش على الوضع المستمر (Torch)، ووجه النور مباشرةً للمراية اللي قدامه!

الضوء الشديد ضرب في المراية وانعكس على الشبح اللي واقف وراه. الكيان صرخ صوت أشبه بفرقعة كهربا عالية، وجسمه بدأ يتذبذب زي الشاشة لما بتهنج. الضوء المباشر المتقاطع بين المراية والكاميرا عمل "Loop" ضوئي معقد شلّ حركة الكيان تمامًا!

حسام استغل اللحظة، وبسرعة فتح إعدادات الموبايل، ودخل على "إعادة ضبط المصنع" (Factory Reset).. صباعه كان فوق زرار "مسح كل البيانات".

الكيان بص له بعيون مرعوبة وبدأ يتوسل بصوت متقطع: “لو مسحت.. أنت بتمسح كل ذكرياتك وصورك وشغلك.. بتمسح جزء من حياتك!”

ابتسم حسام بوجع وقال: “أحسن ما أمسح مستقبلي بنفسي.”

وداس "تأكيد المسح".

في ثانية واحدة، الشاشة اسودت تمامًا، وظهر لوجو الشركة، والمكان كله اتهز بهزة خفيفة كأن الهواء بيترتب من جديد. الشبح اتلاشى زي الدخان الصغير اللي بيطير في الهواء ومبقاش ليه أي أثر.. لا في الغرفة، ولا في المراية، ولا حتى في الهواء.

بعد ساعتين..

حسام قاعد في كافيه على البحر، الشمس طالعة والدنيا منورة والناس بتمشي حواليه بكل طبيعية. الموبايل رجع جديد كأنه لسه طالع من العلبة، مفيش عليه غير الأبلكيشنز الأساسية.

أخد نفس عميق وسحب بق من القهوة السخنة، ولأول مرة من أيام يحس بالراحة والأمان.

رن موبايله بنغمة الاتصال العادية.. كان صاحبه بيطمن عليه: “إيه يا حسام، بعتلك الديزاينات جديدة ولا لسه؟”

رد حسام وابتسامة واسعة على وشه: “لا يا سيدي، مسحت القديم كله.. وهبدأ ديزاين جديد كليًا من النهاردة.”

قفيل مع صاحبه وبص للسماء، وأخيراً اتطمن إن الكابوس انتهىللأبد..

لكن في نفس اللحظة، على شاشة اللابتوب القديم اللي سابه مقفول في البيت، ظهرت إضاءة زرقا خفيفة تحت الباب.. ورسالة صغيرة اتكتبت على الشاشة السوداء في الـ Sleep Mode:

“تم العثور على أجهزة مجاورة عبر الـ Bluetooth.. جاري الاقتران.”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Rofida mohmed تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

4

متابعهم

3

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-